لماذا أرسم بالكلمات؟
من أكثر ما يأسرني في أسلوب القرآن الكريم التصوير البياني
تحويل المعنى المجرّد إلى صورة يراها العقل، وتتحرك لها النفس، ويبقى أثرها في الذاكرة
تأملوا هذا التصوير القرآني:
﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾
لم تُقدَّم الغيبة بوصفها سلوكًا مذمومًا فحسب
بل أصبحت مشهدًا:
أخ...
ميت...
ولحمه يؤكل!
المعنى الذي لا تراه العين أصبح صورة تراها المخيلة وتنفر منها النفس
فلم يعد المتلقي يعرف قبح الغيبة فحسب، بل يكاد يشعر بقبحها
وهنا شيء عظيم في التصوير:
العقل يفهم،
والخيال يرى،
والوجدان يتأثر،
والذاكرة تحتفظ بالصورة
ومن هذا المبدأ البلاغي أستلهم فيما أسميه في محاولاتي الكتابية:
(الرسم بالكلمات)
وبالطبع لا أقيس كتابة بشرية على بلاغة القرآن الكريم وإعجازه، وإنما أتأمل وأتعلم وأستلهم.
كتبت مثلًا في منشوري ضحك ولعب وجد وحب! (2/4):
(تناول الحادثة في مجالسهم بأطباق صُنعت بشفقة،
لكنها مملوءة بالتشفي)
كان بإمكاني أن أكتب:
بعض الناس يُظهرون الشفقة على مصائب الآخرين، بينما يختبئ في داخلهم شيء من التشفي
بينما في الصورة التي رسمتها بالكلمات
بدأتُ بـ (تناول الحادثة) بمعنى الحديث عنها،
ثم أخذت كلمة (تناول) إلى عالم آخر
فإذا بالحادثة على المائدة،
والشفقة أطباقًا،
وحين نرفع الغطاء
نجد التشفي!
لم أرد أن أخبر القارئ بالتناقض فقط، أردت أن يراه
وهنا تأتي فلسفتي في الكتابة
نعيش في عصر مذهل جعلت فيه التكنولوجيا الوصول إلى المعلومة أسرع وأسهل من أي وقت مضى
أعطتنا المصعد
نضغط زرًا... فنصل
ويا لها من نعمة!
لكنني لا أريد أن نعتاد المصعد حتى ننسى متعة صعود الدرج وفوائده على الصحة
وليس المقصود أن أُتعب القارئ حتى يفهمني
بل أمنحه متعة المشاركة في اكتشاف المعنى
أضع الصورة أمامه
وأترك له بعض الطريق
يتأمل.
يربط.
يستنبط.
وقد يرى في الصورة معنى لم أره أنا أصلًا
وهنا يصبح القارئ شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد متلقٍ له
فالرسم بالكلمات، كما أحبه، ليس مجرد رياضة للعقل
بل محاولة لأن يصل المعنى:
إلى العقل عبر الفكرة،
وإلى الخيال عبر الصورة،
وإلى الوجدان عبر الشعور،
وإلى الذاكرة عبر مشهد يصعب نسيانه
أما اليوم، وبعد أن شرحت لكم رسمتي
فقد أخذتكم بالمصعد!
المرة القادمة... على الدرج ولا يهمكم 😁
الرسم بالكلمات وتأملات · سبتمبر 2026
لماذا أرسم بالكلمات؟
بقلم نجوى حمدان · النص الأصلي كما نُشر
