هل تكفي رسالة عفوية للحكم على مهنية إنسان؟
خلال حديث عابر مع إحدى الموظفات، أشارت إلى أنها كانت تتابع أحد المسؤولين على لينكدإن، وأرسلت إليه طلب تواصل مرفقًا بتحية، لكنه لم يقبل الطلب.
لاحقًا، وبعد أن رحّب المسؤول بالتواصل المباشر ضمن إحدى مبادراته للعامّة، بادرت بمراسلته، وأشارت بعفوية إلى أنها سبق أن أرسلت إليه طلب تواصل لم يُقبل، وأرفقت عبارتها بابتسامة 😁.
فجاءها رد يفيد بأن التواصل بهذه الطريقة لطلب قبول الاتصال لا يعكس المهنية والاحترافية في العمل!
استوقفني استخدام مفردتَي «المهنية» و«الاحترافية» في وصف هذا الموقف.
فالمهنية لا تختزل في صياغة رسالة واحدة، وإن كانت مهارات التواصل جزءًا مهمًا منها.
وهنا أرى ضرورة التمييز بين أمرين:
تقييم مدى ملاءمة التصرف للسياق، وإصدار حكم يتجاوز التصرف إلى مهنية صاحبه.
من حق أي شخص ألا يقبل طلبات التواصل، ومن حقه أيضًا تحديد الأسلوب المناسب للتواصل معه.
لكن هل كل عبارة عفوية تستدعي وصفها بعدم المهنية؟
وهل نفهم رسائل الآخرين دائمًا بالطريقة التي أرادوا إيصالها؟
في منشور سابق، تناولت أهمية تطوير مهارات التواصل الرقمي، والتدرب على تجنب سوء الفهم الذي قد ينشأ عن الاعتماد المتزايد على الرسائل النصية في بيئات العمل.
وهذا الموقف يعيدنا إلى أحد أبرز تحدياته:
الرسالة التي نكتبها بنية ودودة قد تُقرأ بنبرة مختلفة تمامًا عما قصدناه.
فالرسائل النصية لا تنقل نبرة الصوت أو تعبيرات الوجه أو السياق الإنساني الكامل للمحادثة.
قد تُفهم العفوية على أنها تجاوز، أو تُقرأ المباشرة باعتبارها جفاءً، أو يُفسَّر الاختصار على أنه عدم اهتمام.
حتى الرموز التعبيرية لا يقرؤها الجميع بالطريقة نفسها!
لهذا، لا يقتصر التواصل المهني الفعّال على حسن الصياغة، بل يشمل فهم السياق، وتوقع احتمالات سوء الفهم، واختيار التوقيت ووسيلة التواصل والأسلوب المناسب.
وهذه مهارة يحتاج إلى تطويرها المرسل والمتلقي معًا.
وتزداد أهمية ذلك عندما يصدر الرد عن شخص في موقع مسؤولية، لأن طريقة تقديم الملاحظة قد تكون مؤثرة بقدر الملاحظة نفسها.
ومن منظور إسلامي، فإن الرفق وحسن القول من القيم الأصيلة في التعامل.
قال تعالى:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83].
وقال رسول الله ﷺ:
«إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه» (رواه مسلم).
وهذا لا يعني أن كل عفوية مناسبة، أو أن حسن النية يعفينا من مراعاة الحدود والسياق.
لكنه يدعونا إلى التمييز بين تصحيح التصرف والتسرع في الحكم على صاحبه.
ففي عالم تمنح فيه الألقاب والمناصب والشهادات وزنًا كبيرًا، تظل الأخلاق وطريقة التعامل مع الآخرين جزءًا أساسيًا من صورتنا المهنية.
المهنية لا تقتضي أن نتخلى عن إنسانيتنا، والعفوية لا تعفينا من مسؤولية التواصل الواعي.
وربما لا يكمن التحدي في أن نصبح أكثر رسمية، بل في أن نصبح أكثر قدرة على التواصل بوضوح، وتفسير رسائل الآخرين بإنصاف.
برأيكم: من يتحمل مسؤولية سوء الفهم في التواصل الرقمي؛ المرسل، أم المتلقي، أم كلاهما؟
القيادة والتواصل · 15 أكتوبر 2026
هل تكفي رسالة عفوية للحكم على مهنية إنسان؟
بقلم نجوى حمدان · النص الأصلي كما نُشر
