مع بداية عام هجري جديد، لا نحتاج فقط إلى أمنيات جديدة، بل إلى وقفة صادقة مع النفس.
فمن هدي النبي ﷺ أن يكون الإنسان يقظًا لقلبه، محاسبًا لنفسه، غير مستسلم لهواه، ولا مغترًا بصورته عن ذاته.
قال ﷺ: «الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ».
والكَيِّس هو العاقل الحازم، الذي ينظر في العواقب.
ومعنى دان نفسه: حاسبها، وجاهدها، وألزمها طريق الحق قبل أن تُحاسَب.
وقوله سبحانه:
﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾
سورة القيامة: 2
القسم بالنفس اللوامة يدل على عِظَم شأنها؛ لأن الله لا يقسم إلا بما له شأن وعبرة.
والنفس اللوّامة عظيمة الدلالة لأنها نفس يقظة، لا تترك صاحبها في غفلته، بل تراجعه وتلومه على التقصير والخطأ.
النفس اللوّامة ليست نفسًا مهزوزة، بل نفس يقظة؛
الإمام أبي حامد الغزالي، من أبرز من كتبوا في تزكية النفس وأمراض القلوب، وقد قال قولاً بليغا:
«أشد الناس حماقة أقواهم اعتقادًا في عقل نفسه، وأثبت الناس عقلًا أشدهم اتهامًا لنفسه».
فالعقل ليس أن يثق الإنسان بنفسه دائمًا، بل أن يعرف متى يراجعها.
والثقة لا تعني أن يرى المرء نفسه مصيبًا في كل حال.
والتدين لا يكتمل بكثرة القول، بل بتهذيب الخلق ومجاهدة الهوى.
ومن هدي النبي ﷺ كذلك أن مكارم الأخلاق ليست معنى نظريًا، بل سلوك يومي يظهر في التواضع، وقبول الحق، وحسن المعاملة، والاعتراف بالتقصير.
في الحياة والعمل، قد يظهر الغرور في صور بسيطة:
رفض ملاحظة.
صعوبة اعتذار.
تمسك بالرأي لأنه رأينا.
تفسير كل نقد على أنه هجوم شخصي.
ومع بداية هذا العام الهجري، لعل أجمل ما نبدأ به ليس قائمة أهداف طويلة، بل سؤال صادق:
ما الذي أحتاج أن أراجعه في نفسي؟
ما الخطأ الذي طال تبريري له؟
ما الخُلُق الذي أحتاج أن أتهذّب به أكثر؟
وما الحق الذي ينبغي أن أعود إليه؟
العاقل لا يحتقر نفسه، لكنه لا يقدّسها.
ولا يلغي عقله، لكنه لا يجعله معصومًا.
أصدق علامات الوعي أن يبقى الإنسان قادرًا على أن يقول لنفسه: قد أكون مخطئًا.
قيم وتأملات إنسانية · 17 يونيو 2026
عام هجري جديد: محاسبة النفس قبل البدايات
بقلم نجوى حمدان · النص الأصلي كما نُشر
