لم أعش في أم خالد، لكنني عرفتها كما تُعرَف الأماكن التي تسكن القلب قبل العين
عرفتها من صوت أبي، من حنينه، من طريقته في الحديث عنها، ومن تلك الحسرة التي كانت تظهر كلما عاد بذاكرته إلى القرية التي هُجّر منها عام 1948
كان أبي يحدثنا عن أم خالد كأنها قطعة من الجنة على ساحل فلسطين
قرية مطلّة على البحر الأبيض المتوسط، قريبة من الشاطئ، قائمة في موقع جميل واستراتيجي بين الداخل الفلسطيني والساحل، غرب طولكرم، وقريبة من الطريق الذي يصل طولكرم بمنطقة الساحل
لم تكن قرية عابرة على الخريطة، بل كانت مكانًا حيًا، غنيًا بأرضه، وبحره، وناسه، وحكايته
كان يصف لنا جمالها الخلّاب؛ زرقة البحر، نسيم الساحل، رائحة الرمل، وسعة الأفق
كان يعود من المدرسة مسرعًا إلى البحر، يسبح مع اخوته و رفاقه، يجمعون الأصداف، ويصطادون الأسماك
كانت طفولته هناك بسيطة وممتلئة بالحياة؛ مدرسة، أصدقاء، بحر، لعب، وبيت ينتظره في قريةٍ آمنة عامرة بأهلها
ولم تكن أم خالد جميلة بموقعها فقط، بل كانت غنية بخيراتها
أرضها خصبة، وماؤها وفير، وأهلها عرفوا الزراعة وعاشوا من بركة الأرض
زُرعت فيها الحبوب، والحمضيات، والموز، والبطيخ، والخضروات، وكان البحر إلى جانب الأرض مصدر حياة ورزق وذاكرة
كانت القرية تجمع بين زرقة الماء وخضرة الزرع، بين تعب الفلاحين وفرح الأطفال، بين رائحة التراب وصوت الموج
حتى اسمها يحمل شيئًا من الحنان
تقول الروايات إن اسم أم خالد ارتبط بامرأة صالحة أو صاحبة مقام في المكان
وكأن القرية حملت في اسمها معنى الأمومة، والستر، والبركة
كان أبي عندما يتحدث عنها لا يروي لنا معلومات فقط
كان يفتح بابًا على عمرٍ كامل
كنت أشعر أنه لا يشتاق إلى قرية فحسب
بل إلى طفولةٍ انتُزعت منه
وإلى بحرٍ بقي قريبًا في الذاكرة وبعيدًا في الواقع
وإلى بيتٍ لم يعد إليه
وإلى أرضٍ بقيت تنادي أهلها رغم الغياب
في صوته كان هناك حب كبير… وحزن أكبر
حبٌّ لأم خالد كما كانت: جميلة، خضراء، عامرة، قريبة من البحر، مليئة بالحياة
وحزنٌ على ما أصابها، وعلى أهلها الذين هُجّروا منها، وعلى قرية بقيت في القلب بعدما غابت عن الطريق
اليوم، وأنا أنظر إلى هذه الصورة، لا أرى بحرًا ومدينة فقط
أرى حكاية أبي
أرى طفولته تركض من المدرسة إلى الشاطئ
أرى أصدافًا صغيرة حملت ذاكرة كبيرة
أرى قريةً لم أعش فيها، لكنها عاشت فينا
أم خالد ليست مجرد اسمٍ في الذاكرة العائلية
هي جذري، وحكاية أبي، ووجعنا الجميل، وقطعة من فلسطين الحبيبة التي لا تغيب
رحم الله أبي، وأسكنه فسيح جناته، وجعل حنينه إلى أم خالد شاهدًا على حبٍّ لا يموت، وانتماءً لا يقطعه الغياب
لقد رحل أبي، لكن حكايته بقيت فينا
بقيت أم خالد في قلوبنا كما كانت في قلبه: قريةً على البحر، وذاكرةً من نور، وجذرًا عميقًا لا تقتلعه السنون
سنحمل اسمها، ومفتاحها، وحكايتها، وسنعلّم أبناءنا أن فلسطين ليست ذكرى بعيدة، بل وعداً حياً، وحقاًّ لا يسقط، وبيتاً ينتظر أهله مهما طال الطريق
تعلمنا من تجربة اللجوء، ومن وعي أدبائنا كغسان كنفاني، أن تقديس الماضي وحده لا يكفي؛
فالأوطان لا تُستعاد بالبكاء على الأطلال، بل بالوعي الذي يتطلع للمستقبل
وبالجيل الذي يؤمن أن الحق لا يسقط بالتقادم، بل يُنتزع بالفعل
سنعود بإذن الله...
إلى أم خالد، إلى البحر، إلى الأرض، إلى الحكاية الأولى
فالمفتاح معنا، والذاكرة معنا، والإيمان بالعودة أكبر من كل غياب
ملاحظة: الصورة المرفقة حديثة لقرية أم خالد المهجّرة منذ عام 1948،
وقد ابتلعت معظم أراضيها التوسّعات العمرانية لمدينة نتانيا المقامة على أراضي الساحل الفلسطيني
قيم وتأملات إنسانية · 11 يونيو 2026
أم خالد: حكاية مكان عرفته بالقلب
بقلم نجوى حمدان · النص الأصلي كما نُشر
